كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فِي الْجَعْلِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَعْبَةَ الَّتِي هِيَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ قِيَامًا لِلنَّاسِ الَّذِينَ يُقِيمُونَ بِجِوَارِهَا وَالَّذِينَ يَحُجُّونَهَا، أَيْ سَبَبًا لِقِيَامِ مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ بِإِيدَاعِ تَعْظِيمِهَا فِي الْقُلُوبِ، وَجَذْبِ الْأَفْئِدَةِ إِلَيْهَا، وَصَرْفِ النَّاسِ عَنِ الِاعْتِدَاءِ فِيهَا وَعَلَى مُجَاوَرِيهَا وَحُجَّابِهَا، وَتَسْخِيرِهِمْ لِجَلْبِ الْأَرْزَاقِ إِلَيْهَا، فَهَذَا هُوَ الْجَعْلُ الْخِلْقِيُّ التَّكْوِينِيُّ، وَيُؤَيِّدُهُ دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ الَّذِي حَكَاهُ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (14: 37) وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (28: 57) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} (29: 67).
وَالْمَعْنَى عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ جَعَلَهَا قِيَامًا لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمُ الْمُهَذِّبِ لِأَخْلَاقِهِمُ الْمُزَكِّي لِأَنْفُسِهِمْ، بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَجِّ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَرْكَانِ الدِّينِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ رُوحِيَّةٌ بَدَنِيَّةٌ مَالِيَّةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ بَعْضِ حِكَمِهِ وَسَيَأْتِي لَهَا مَزِيدٌ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَمَا شَرَعَ فِي مَنَاسِكَ الْحَجِّ مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالذَّبَائِحِ الَّتِي تُطَهِّرُ فَاعِلَهَا مِنْ رَذِيلَةِ الْبُخْلِ وَتُحَبِّبُهُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَتُحَبِّبُ إِلَيْهِ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ، وَيَتَّسِعُ بِهَا رِزْقُ أَهْلِ الْحَرَمِ، وَهَذَا هُوَ الْجَعْلُ الْأَمْرِيُّ التَّشْرِيعِيُّ، دَعْ مَا تَسْتَلْزِمُهُ كَثْرَةُ النَّاسِ هُنَاكَ مِنْ جَلْبِ الْأَرْزَاقِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ الَّتِي تَقُومُ بِهَا أُمُورُ الْمَعِيشَةِ.
رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ فَسَّرَ الْقِيَامَ هُنَا بِقَوْلِهِ: قِيَامًا لِدِينِهِمْ وَمَعَالِمَ لِحَجِّهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ قَالَ: قِيَامُهَا أَنْ يَأْمَنَ مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهَا.
ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِيهِ ثَلَاثُ أَقْوَالٍ: (1) صَلَاحٌ لِدِينِهِمْ (2) شِدَّةٌ لِدِينِهِمْ (3) عِصْمَةٌ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أَقْوَالُ مَنْ جَعَلَ الْقِيَامَ دِينًا فَقَطْ، وَإِنَّمَا هُوَ دِينِيٌّ دُنْيَوِيٌّ، لِأَنَّ أَهْلَ الْحَرَمِ وَحُجَّاجَهُ مَا كَانُوا لِيَجِدُوا فِيهِ مَا يَعِيشُونَهُ بِهِ مِنَ الْغِذَاءِ، وَمَا يَأْمَنُونَ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْهَلَاكَ، لَوْلَا أَنْ جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ قِيَامًا لِأَمْرِ الْمَعِيشَةِ، كَمَا جَعَلَهَا قِيَامًا لِأَمْرِ الدِّينِ، وَلَكِنْ خَصَّ بَعْضُهُمُ الْقِيَامَ الدُّنْيَوِيَّ بِزَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ فِيهِمْ مُلُوكٌ يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ مُلُوكٌ يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُمُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا يَدْفَعُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِهِ وَالشَّهْرُ الْحَرَامُ كَذَلِكَ يَدْفَعُ اللهُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَالْقَلَائِدِ، وَيَلْقَى الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَابْنَ عَمِّهِ فَلَا يَعْرِضُ لَهُ وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ نُسِخَ.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: جَعَلَ اللهُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، لَا يَخَافُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حِينَ يَلْقَوْنَهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ أَوْ فِي الْحَرَمِ أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ.
وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ {جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ} قَالَ: حَوَاجِزُ أَبْقَاهَا اللهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأَ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يُتَنَاوَلْ وَلَمْ يُقْرَبْ، كَانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قَاتِلَ أَبِيهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الْهَدْيَ مُقَلَّدًا وَهُوَ يَأْكُلُ الْعَصَبَ مِنَ الْجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ الْبَيْتَ تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنْ شَعْرٍ فَأَحْمَتْهُ وَمَنَعَتْهُ مِنَ النَّاسِ، وَكَانَ إِذَا نَفَرَ (أَيْ عَادَ مِنَ الْحَجِّ) تَقَلَّدَ قِلَادَةً مِنَ الْخَزِّ أَوْ مِنَ السَّمَرِ حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ حَوَاجِزُ أَبْقَاهَا اللهُ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اهـ.
وَالْمُخْتَارُ أَنَّ جَعْلَ اللهِ تَعَالَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قِيَامًا لِلنَّاسِ هُوَ جَعْلٌ تَكْوِينِيٌّ تَشْرِيعِيٌّ مَعًا، وَهُوَ عَامٌّ شَامِلٌ لِمَا تَقُومُ بِهِ وَتَتَحَقَّقُ مَصَالِحُ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَشَامِلٌ لِزَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَعَهْدِ الْإِسْلَامِ، لَكِنْ لَهُ فِي كُلٍّ مِنَ الْعَهْدَيْنِ صُورَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ فَفِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ التَّكْوِينِيُّ أَظْهَرَ وَالتَّشْرِيعِيُّ أَخْفَى، لِأَنَّهُمْ عَلَى إِضَاعَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ صَلَّى الله عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مَزَجُوهَا بِالْوَثَنِيَّةِ وَالْخُرَافَاتِ الْوَضْعِيَّةِ، وَكَانَتْ آيَاتُ اللهِ تَعَالَى التَّكْوِينِيَّةُ ظَاهِرَةً فِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ آنِفًا، وَسَبَقَ مَا فِي مَعْنَاهُ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَأَمَّا فِي عَهْدِ الْإِسْلَامِ فَالتَّشْرِيعِيُّ أَظْهَرُ.
{ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أَيْ فَعَلَ ذَلِكَ الْجَعْلَ لِأَجْلِ أَنْ تَعْلَمُوا مِنْهُ إِذَا تَأَمَّلْتُمْ فِيهِ أَنَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ مَا فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَأَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ فِي قُلُوبِ الْعَرَبِ فِي طَوْرِ جَاهِلِيَّتِهَا وَغَفْلَتِهَا وَتَفَانِيهَا فِي الْغَزْوِ وَالسَّلْبِ وَالنَّهْبِ تَعْظِيمًا لِهَذَا الْمَكَانِ، وَلِلْأَعْمَالِ الَّتِي تُعْمَلُ فِيهِ، وَلِلزَّمَنِ الَّذِي فِيهِ تُؤَدَّى هَذِهِ الْأَعْمَالُ هُنَالِكَ، مَنَعَهُمْ مِنَ اعْتِدَاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَكَانَ سَبَبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، وَقَدْ عَجَزَتْ جَمِيعُ أُمَمِهِمْ عَنِ الْحَضَارَةِ وَالْمَدَنِيَّةِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ بَلْهَ أُمَمِ الْبَدَاوَةِ عَنْ تَأْمِينِ النَّاسِ فِي قُطْرٍ مِنَ الْأَقْطَارِ، وَزَمَنٍ مُعَيَّنٍ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ فِيهِمَا قِتَالٌ وَلَا قَتْلٌ وَلَا عُدْوَانٌ، وَكَذَلِكَ جَعَلَ فِي أَحْكَامِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ أَعْظَمَ الْفَوَائِدِ وَالْمَنَافِعِ الرُّوحِيَّةِ وَالْجَسَدِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ كَمَا عُلِمَ مِمَّا مَرَّ آنِفًا بِالْإِجْمَالِ، مِمَّا بَيَّنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ مِنْ حُكْمِ الْحَجِّ بِالتَّفْصِيلِ، وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمَنَافِعُ وَالْفَوَائِدُ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ قِيَامِ أَمْرِ النَّاسِ ثُبُوتًا قَطْعِيًّا بِالْمُشَاهَدَةِ وَالتَّجْرِبَةِ، فَدَلَّ مَا ذَكَرَ عَلَى أَنَّ جَعْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيِ وَالْقَلَائِدِ قِيَامًا لِلنَّاسِ، لَمْ يَكُنْ إِلَّا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ صَادِرَةٍ عَنْ عِلْمٍ بِخَفَايَا الْأُمُورِ وَغَايَاتِهَا، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ أَسْبَابِ الرِّزْقِ وَنِظَامِ الْخَلْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، عَلَى أَنَّ آيَاتِهِ الدَّالَّةَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ أَعَمُّ وَأَظْهَرُ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ مِنْ جَعْلِهِ بَعْضَ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ سَبَبًا لِدَفْعِ الشَّقَاوَةِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ وَجَلْبَ السَّعَادَةِ وَالْهَنَاءَةِ لَهُمْ، فَإِنَّ سُنَّتَهُ تَعَالَى فِي الْفَلَكِ وَسَيْرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَغَيْرِهِمَا بِحُسْبَانٍ، وَفِي عِلْمِ الْجَمَادِ وَالنَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ، لَا يَعْتَرِيهَا مِنَ الشُّبَهَاتِ مَا يَعْتَرِي السُّنَنَ الْمُتَعَلِّقَةِ بِنَوْعِ الْإِنْسَانِ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَغْفَلُونَ عَنْهَا.
{اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
أَرْشَدَنَا جَلَّ شَأْنُهُ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ إِلَى بَعْضِ آيَاتِ عِلْمِهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَأَرْشَدَنَا فِي هَذِهِ إِلَى الْعِلْمِ بِأَنَّ الْعَلِيمَ بِكُلِّ شَيْءٍ الَّذِي ظَهَرَتْ آيَاتُ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، كَمَا ظَهَرَتْ فِي جَعْلِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قِيَامًا لِلنَّاسِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ، كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَلِمُوا الصَّالِحَاتِ، وَلَا يُسَوِّي بَيْنَ الطَّيِّبِ وَالْخَبِيثِ كَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْمُصْلِحِ وَالْمُفْسِدِ، وَالْمَظْلُومِ وَالظَّالِمِ، فَلابد إِذَنْ مِنَ الْجَزَاءِ بِالْحَقِّ، وَلَا يَمْلُكُ الْجَزَاءَ إِلَّا مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْعِقَابِ الشَّدِيدِ، وَعَلَى الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، لِذَلِكَ قَالَ: {اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} لِمَنْ دَنَّسَ نَفْسَهُ بِالشِّرْكِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ {وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لِمَنْ زَكَّى نَفْسَهُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَعَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ، فَلَا يُؤَاخِذُهُ بِمَا سَلَفَ قَبْلَ الْإِيمَانِ، وَلَا بِمَا يَعْمَلُهُ مِنَ السُّوءِ بِجَهَالَةٍ إِذَا بَادَرَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِصْلَاحِ، وَلَا بِاللَّمَمِ، إِلَّا اجْتِنَابَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ، بَلْ يَسْتُرُ ذَنْبَهُ وَيَمْحُوهُ فَيَضْمَحِلُّ فِي إِيمَانِهِ وَعَمَلِهِ الصَّالِحِ، كَمَا يَسْتُرُ الْقَذَرَ الْقَلِيلَ، وَيَضْمَحِلُّ بِمَا يَغْمُرُهُ مِنَ الْمَاءِ الْكَثِيرِ، وَيَخُصُّهُ فَوْقَ ذَلِكَ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ.
فَالْآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، فَهِيَ وَعِيدٌ لِمَنْ كَفَرَ وَتَوَلَّى عَنِ الْعَمَلِ بِكِتَابِ اللهِ، وَوَعْدٌ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ، وَلَعَلَّ فِي تَقْدِيمِ ذِكْرِ الْعِقَابِ وَتَأْخِيرِ ذِكْرِ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْعِقَابَ قَدْ يَنْتَهِي بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ فَلَا يَدُومُ، لِأَنَّ رَحْمَتَهُ تَعَالَى سَبَقَتْ غَضَبَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلِذَلِكَ يَغْفِرُ كَثِيرًا مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ لِأَنْفُسِهِمْ {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} (42: 30) وَأَعَادَ اسْمَ الْجَلَالَةِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَغْفِرَتَهُ وَرَحْمَتَهُ ثَابِتَانِ لَهُ بِالْأَصَالَةِ.
{مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} هَذَا بَيَانٌ لِوَظِيفَةِ الرَّسُولِ فِي إِثْرِ بَيَانِ كَوْنِ الْجَزَاءِ بِيَدِ اللهِ الْعَلِيمِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَهِيَ أَنَّ الرَّسُولَ مِنْ حَيْثُ هُوَ رَسُولُ اللهِ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا تَبْلِيغُ رِسَالَةِ مَنْ أَرْسَلَهُ، فَهُوَ لَا يَعْلَمُ جَمِيعَ مَا يُبْدِيهِ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَمَا يَكْتُمُونَهُ مِنْهَا، فَيَكُونُ أَهْلًا لِحِسَابِهِمْ وَجَزَائِهِمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ ذَلِكَ اللهُ وَحْدَهُ، وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْخَوْفِ مِنْ مَعْبُودَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ وَالرَّجَاءِ فِيهَا، وَالْتِمَاسِ الْخَلَاصِ وَالنَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ بِشَفَاعَتِهَا، فَهُوَ يَقُولُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ: مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَالْبَيَانُ لِدِينِ اللهِ وَشَرْعِهِ، فَبِذَلِكَ تَبْرَأُ ذِمَّتُهُ، وَيَكُونُ مَنْ بَلَّغَهُمْ هُمُ الْمَسْئُولُونَ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَاللهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ مِنْ عَقَائِدِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا، بِحَسَبِ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِنْهَا، فَيَكُونُ جَزَاءَهُ حَقًّا وَعَدْلًا وَيَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ كَرَمًا مِنْهُ وَفَضْلًا {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا}.
فَلَا تَطْلُبُوا سَعَادَتَكُمْ إِلَّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَخَافُوا عَلَيْهَا إِلَّا مِنْهَا.
وَيُؤَيِّدُ تَفْسِيرَنَا هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} (13: 40) وَقَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ {وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (6: 48 51).
وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْوَارِدَةُ فِي الْأَحَادِيثِ فَلَا تُنَاقِضُ الشَّفَاعَةَ الْمَنْفِيَّةَ هُنَا وَفِي آيَاتٍ أُخْرَى لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ دُعَاءٍ مُسْتَجَابٍ فِي الْآخِرَةِ يُظْهِرُ اللهُ عَلَيْهِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَاقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ بِحَسَبِ مَا فِي كِتَابِهِ تَكْرِيمًا لِلدَّاعِي الشَّفِيعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي عِلْمِ اللهِ وَلَا فِي إِرَادَتِهِ لِأَنَّ الْحَادِثَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْقَدِيمِ {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (57: 3).
ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ الْجَزَاءَ وَكَوْنَهُ مَنُوطًا بِالْأَعْمَالِ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَزَاءُ مِنْ وَصْفِ الْأَعْمَالِ وَالْعَامِلِينَ لَهَا، فَأَثْبَتَ وُجُودَ حَقِيقَتَيْنِ مُتَضَادَّتَيْنِ يَتَرَتَّبُ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا مَا يَلِيقُ بِهَا، وَهُمَا حَقِيقَةُ الطَّيِّبِ وَحَقِيقَةُ الْخَبِيثِ، فَقَالَ: {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} أَيْ قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ مُخَاطِبًا كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ: لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ مِنَ الْأَشْيَاءِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَمْوَالِ كَالضَّارِّ وَالنَّافِعِ وَالْفَاسِدِ وَالصَّالِحِ، وَالْحَرَامِ وَالْحَلَالِ وَلَا مِنَ النَّاسِ كَالظَّالِمِ وَالْعَادِلِ وَالْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ وَالْمُفْسِدِ وَالْمُصْلِحِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَلِكُلٍّ مِنَ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حُكْمٌ يَلِيقُ بِهِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْقِسْمِ الْآخَرِ جَزَاءٌ وَمَكَانٌ يَسْتَحِقُّهُ بِحَسَبِ صِفَتِهِ {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (6: 139) يَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَوْضِعِهِ بِحَسَبِ عِلْمِهِ، وَلَعَلَّ نُكْتَةَ تَقْدِيمِ الْخَبِيثِ فِي الذِّكْرِ كَوْنُ السِّيَاقِ لِلْإِهْتِمَامِ بِإِزَالَةِ شُبْهَةِ الْمُغْتَرِّينَ بِكَثْرَتِهِ، وَلِذَلِكَ قَالَ: {وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ} الْخِطَابُ مِنَ الرَّسُولِ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ بَلَغَتْهُ دَعَوْتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ، أَيْ وَلَوْ أَعْجَبَكَ أَيُّهَا السَّامِعُ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ مِنَ النَّاسِ وَجَاهِهِمْ، أَوْ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ لِسُهُولَةِ تَنَاوُلِهَا وَالتَّوَسُّعِ فِي التَّمَتُّعِ بِهَا، كَأَكْلِ الرِّبَا وَالرَّشْوَةِ وَالْغُلُوِّ وَالْخِيَانَةِ، أَوْ لِدَعْوَى أَصْحَابِهَا أَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى حَبِّ اللهِ لَهُمْ وَرِضَاهُ عَنْهُمْ إِذْ فَضَّلَهُمْ بِهَا عَلَى غَيْرِهِمْ {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} (34: 35).
أَيْ لَا يَسْتَوِيَانِ فِي أَنْفُسِهِمَا وَلَا عِنْدَ اللهِ وَلَوْ فُرِضَ أَنَّ كَثْرَةَ الْخَبِيثِ أَعْجَبَتْكَ وَغَرَّتْكَ فَصِرْتَ بَعِيدًا عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، وَهِيَ أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْحَلَالِ كَرَاتِبِ الْحَاكِمِ الْعَادِلِ وَرِبْحِ التَّاجِرِ الصَّادِقِ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرِ الْحَرَامِ كَالرَّشْوَةِ وَالْخِيَانَةِ، بِاعْتِبَارِ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، كَأَنَّ الْقَلِيلَ الْجَيِّدَ مِنَ الْغِذَاءِ أَوِ الْمَتَاعِ خَيْرٌ مِنَ الْكَثِيرِ الرَّدِيءِ الَّذِي لَا يُغْنِي غِنَاءَهُ وَلَا يُفِيدُ فَائِدَتَهُ، بَلْ رُبَّمَا يَضُرُّ آكِلَهُ وَيُفْسِدُ عَلَيْهِ مَعِدَتَهُ.